فخر الدين الرازي

8

تفسير الرازي

بالصفة لا يدل على نفي الحكم عما عداه لم يلزم ذلك ، وإن حملناه على الاستثناء وقلنا الاستثناء من النفي ليس بإثبات لم يلزم أيضاً ذلك ، أما إذا حملناه على الاستثناء وقلنا الاستثناء من النفي إثبات لزم القول بالمساواة . وأعلم أن هذه المساواة في حق الاضراء عند من يقول بها مشروطة بشرط آخر ذكر الله تعالى في سورة التوبة وهو قوله : * ( ليس على الضعفاء ولا على المرضى ) * إلى قوله : * ( إذا نصحوا لله ورسوله ) * ( التوبة : 91 ) . وأعلم أن القول بهذه المساواة غير مستبعد ، ويدل عليه النقل والعقل ، أما النقل فقوله عليه الصلاة والسلام عند انصرافه من بعض غزواته " لقد خلفتم بالمدينة أقواماً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم أولئك أقوام حبسهم العذر " وقال عليه الصلاة والسلام : " إذا مرض العبد قال الله عز وجلّ اكتبوا لعبدي ما كن يعمله في الصحة إلى أن يبرأ " وذكر بعض المفسرين في تفسير قوله تعالى : * ( ثم رددناه أسفل سافلين * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون ) * ( التين : 5 ، 6 ) أن من صار هرما كتب الله تعالى له أجر ما كان يعمله قبل هرمه غير منقوص من ذلك شيئاً . وذكروا في تفسير قوله عليه الصلاة والسلام " نية المؤمن خير من عمله " أن ما ينويه المؤمن من دوامه على الإيمان والأعمال الصالحة لو بقي أبداً خير له من عمله الذي أدركه في مدة حياته ، وأما المعقول فهو أن المقصود من جميع الطاعات والعبادات استنارة القلب بنور معرفة الله تعالى ، فإن حصل الاستواء فيه للمجاهد والقاعد فقد حصل الاستواء في الثواب ، وإن كان القاعد أكثر حظاً من هذا الاستغراق كان هو أكثر ثواباً . المسألة الرابعة : لقائل أن يقول : إنه تعالى قال : * ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ) * ( التوبة : 111 ) فقدم ذكر النفس على المال ، وفي الآية التي نحن فيها وهي قوله : * ( والمجاهدين بأموالهم وأنفسهم ) * قدم ذكر المال على النفس ، فما السبب فيه ؟ وجوابه : أن النفس أشرف من المال ، فالمشتري قدم ذكر النفس تنبيهاً على أن الرغبة فيها أشد ، والبائع أخر ذكرها تنبيهاً على أن المضايقة فيها أشد ، فلا يرضى ببذلها إلا في آخر المراتب . وأعلم أنه تعالى لما بيّن أن المجاهدين والقاعدين لا يستويان ثم أن عدم الاستواء يحتمل الزيادة ويحتمل النقصان ، لا جرم كشف تعالى عنه فقال : * ( فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة ) * وفي انتصاب قوله * ( درجة ) * وجوه : الأول : أنه يحذف الجار ، والتقدير بدرجة فلما حذف الجار وصل الفعل فعمل الثاني : قوله * ( درجة ) * أي فضيلة ، والتقدير : وفضل الله المجاهدين فضيلة كما يقال زيد أكرم عمراً إكراماً والفائدة في التنكير والتفخيم . الثالث : قوله